ابن قاضي شهبة
542
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
وسمعت الفقيه أحمد بن عبد اللّه بن الأبنوسيّ ، يقول : جاء أمير إلى قاضي القضاة الشّامي ، فادعى شيئا . فقال : بيّتني فلان ، والمشطّب الفرغانيّ الفقيه . فقال : لا أقبل شهادة المشطّب لأنه يلبس الحرير . فقال : السلطان ملكشاه ووزيره نظام الملك يلبسانه . فقال : ولو شهدا عندي ما قبلت شهادتهما أيضا « 1 » . وقال ابن النجّار : كان رحمه اللّه ، قد تفقّه على أبي الطيّب « 2 » الطبري ، وكان يحفظ تعليقته . وولي قضاء القضاة . وأبى أن يأخذ على القضاء رزقا . ولم يغيّر مأكله ولا ملبسه ، ولا استناب أحدا في القضاء . وكان يسوّي بين الشريف والوضيع في الحكم ، ويقيم جاه الشرع . فكان هذا سبب انقلاب « 3 » الأكابر عليه ، فألصقوا به ما كان منه بريئا من أحاديث ملفّقة ، ومعايب مزوّرة . وصنّف كتاب ( البيان عن أصول الدين ) وكان على طريقة السلف ، ورعا ، نزها . وأنبأنا أبو اليمن الكنديّ : أن أحمد بن عبد اللّه بن الأبنوسيّ ، أخبره قال : كان لقاضي القضاة الشّامي كيسان ، أحدهما يجعل فيه عمامته ، وهي من كتّان ، وقميصا من القطن الحسن ، فإذا خرج لبسهما . والكيس الآخر ، فيه فتيت ، فإذا أراد الأكل ، جعل منه في قصعة ، وجعل فيه قليلا من الماء ، وأكل منه « 4 » . وكان له كادك في الشهر بدينار ونصف ، وكان يقتات منه . فلمّا ولي القضاء ، جاء إنسان فدفع فيه أربعة دنانير ، فأبى . وقال : لا أغيّر ساكني ، وقد ارتبت بك لم لا كانت هذه الزيادة من قبل القضاء ؟ وكان يشدّ في وسطه مئزرا ، ويخلع في بيته ثيابه ويجلس . وكان يقول : ما دخلت في القضاء حتى وجب عليّ ، وأعصي إن لم أقبله . وكان طلّاب المنصب قد كثروا ، حتى إن أبا محمد التميميّ ، بذل فيه ذهبا كثيرا فلم يجب . وقال [ ابن ] « 5 » الجوزي : لما مات الدامغانيّ سنة ثمان وسبعين ، أشار الوزير أبو
--> ( 1 ) ابن الجوزي : المنتظم 17 / 29 ، وطبقات الشافعية للسبكي 3 / 83 . ( 2 ) ابن الجوزي : المنتظم 17 / 27 . ( 3 ) نفسه 17 / 28 . ( 4 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 87 وطبقات الشافعية للسبكي 3 / 83 . ( 5 ) في الأصل : « سبط بن الجوزي » والتصحيح من : المنتظم 13 / 27 .